وهبة الزحيلي

76

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

و في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الشفاعة الطويل ، وفيه : « فيقول اللّه عز وجل : ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ، فأخرجوه من النار » و في لفظ : « أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ، فأخرجوه من النار » فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقول أبو سعيد : اقرءوا إن شئتم : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ . . . الآية . ومعنى الآية : أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله شيئا مهما قل ، ولا يعاقب أحدا على شيء مهما كان بغير حق ؛ لأن الظلم نقص ، واللّه تعالى متصف بكل كمال ، منزّه عن كل نقص . فمن اقترف سيئة بعد أن زوده اللّه بالعقل والتقدير والميزان ، كان هو الظالم لنفسه : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت 41 / 46 ] . ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله ولو مثقال ذرة ، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ، أما السيئة فلا تضاعف ، ويجزى بمثلها فقط ، كما في آية أخرى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الأنعام 6 / 160 ] . وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً أي إنه تعالى لا يكتفي بمضاعفة حسنات المحسن ، بل يعطيه أجرا من غير مقابل له من الأعمال ، فهو واسع الفضل كثير الإحسان . والأجر العظيم : الجنة ، نسأل اللّه الرضا والجنة . وإذا كان هذا هو نظام الثواب ، فيتعجب الخالق من بعض الناس قائلا : فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشاهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم ، كقوله تعالى : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة 5 / 117 ] . وجئنا بك يا محمد على هؤلاء المكذبين شهيدا . عن ابن